الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

41

نفحات الولاية

أشارت إليه الخطبة من أنّ أوصافه غير أوصاف مخلوقاته ، فإذا كانت الوحدة بالنسبة للمخلوقات تفيد القلة ، فهي تفيد الكثرة والعظمة بالنسبة للَّه . فقد جاء في توحيد الصدوق : إنّ إعرابياً قام يوم الجمل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال : يا أمير المؤمنين أتقول إنّ اللَّه واحد ؟ قال فحمل الناس عليه وقالوا : يا أعرابي أما ترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسم القلب ؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام دعوه فانّ الذي يريده الأعرابي هو الذي نريده من القوم ، ثم قال : يا أعرابي إن القول في أنّ اللَّه واحد على أربعة أقسام ، فوجهان منها لا يجوازان على اللَّه عز وجل ، ووجهان يثبتان فيه ، فأمّا اللذان لا يجوزان عليه فقول القائل : واحد يقصد به باب الاعداد فهذا ما لا يجوز ، لأنّ مالا ثاني له لا يدخل في باب الأعدد أمّا ترى أنّه كفر من قال ثالث ثلاثة ، وقول القائل هو واحد من الناس يريد به النوع من الجنس فهذا ما لا يجوز لأنّه تشبيه وجلّ ربّنا وتعالى عن ذلك وأما الوجهان اللذان يثبتان فيه فقول القائل : هو واحد ليس له في الأشياء شبه كذلك ربّنا ، « 1 » وقول القائل : إنّه عزّوجلّ أحدي المعنى يعني به أنّه لا ينقسم في وجود ولا عقل ولاوهم كذلك ربّنا عزّوجلّ ثم قال عليه السلام في بيان الصفة الثانية : « وكل عزيز غيره ذليل » فالعزّة سواء كانت بمعنى القدرة القاهرة أو الحرمة والعظمة فهي لا تليق سوى بذاته المقدسة ، ولأنّ غيره من الملوك وإن كان عزيزاً فهو ذليل في قبضة قوانين عالم الخلقة والقضاء والقدر ، أضف إلى ذلك فالجميع محتاج إلى الذات الإلهية ، كما أنّ عزته ذاتية وعزة من سواه عرضية متوقفة على تلك الذات ، ومن هنا فليس لأحد من الموجودات إمكانية الوقوف أمام هذه العزة ، ولكل عزته بمقدار قربه من تلك العزة المطلقة ؛ الأمر الذي أشار إليه القرآن الكريم بالقول : « أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً » « 2 » ، والآية العاشرة من سورة فاطر : « مَنْ كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعاً » . ثم قال في الصفة الثالثة : « وكل قوي غيره ضعيف » لأنّ القوة في عالم المخلوقات نسبية ؛ فكل كائن قوي إذا ما قورن بمن دونه وضعيف بالنسبة لمن فوقه ، وهكذا الأمر حتى ننتهي إلى الذات المقدسة ، فهناك القوة اللامتناهية التي

--> ( 1 ) توحيد الصدوق ، بحسب ما نقله عن بحارالانوار 3 / 206 ، ح 1 . ومن أجل التوضيح أكثر حول حقيقة التوحيد ، ووحدانية الله سبحانه وتعالى ، يرجى مراجعة كتاب « نفحات القرآن 3 / 260 وما بعد » . ( 2 ) سورة النساء / 139 .